فصل: مسألة ادعت ما لا يثبت إلا بشهادة شهيدين فإن جاءت بشاهد عدل:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: البيان والتحصيل والشرح والتوجيه والتعليل لمسائل المستخرجة



.مسألة شهادة السائل المتكفف:

ومن كتاب الأقضية:
قال يحيى: وسألت ابن وهب عن الرجل الحسن الوجه الظاهر الصلاح يسأل الصدقة مما يتصدق به على أهل الحاجات، أو يأتي الرجل الشريف فيسأله أن يتصدق عليه، أتجوز شهادته وهو لا يتكفف الناس إذا كان عدلا، وهو معروف بالمسألة غير أنه لا يتكفف العامة، قال: إذا كان معروفا بالمسألة فهو غير جائز الشهادة، وإن لم يتكفف وإن كان عدلا،:
وسألته بعد يوم أجاب في ذلك فكان فيما كتب إليه أن سأله عن الرجل الذي لا بأس به وهو ممن يتصدق عليه ويطلب الأخذ من الصدقة إذا خرجت من عند إمام أو فرقت وصية الرجل أو ما أشبهه، يطلب الأخذ من مثل هذا الوجه بكل ما يقدر عليه وليس يتكفف الناس، فقال: ما أرى مثل هذا إلا متعففا عن المسألة غير متكفف الناس ولا يسأل في عامتهم، فلا أرى أن ترد شهادة مثل هذا إذا كان عدلا وإنما ترد شهادة السائل المتكفف، فأما المعترض لإخوانه المتعفف والآخذ من مثل ما وصفت فلا أرى أن ترد شهادته بذلك.
قال محمد بن رشد: إنما اختلف جواب ابن وهب في هاتين المسألتين لاختلاف السؤال فيهما، وذلك أنه سأله في السؤال الأول عن الذي يسأل سؤالا مصرحا دون تعريض حتى يعرف بالسؤال فرأى ألا تجوز شهادته، ومعنى ذلك إذا سأل لغير سبب يعرف فقال في المجموعة: وأما من نزلت به مصيبة ألجأته فيسأل بعض إخوانه وليس بالمشهور بالمسألة فلا ترد شهادته، وقال ابن كنانة في المجموعة وكتاب ابن سحنون وكذلك إن رزىء برزية مثل دية وقعت عليه وشبهه من العذر لم ترد شهادته بذلك إذا كان عدلا.
وسأله في السؤال الثاني عن الذي يأخذ من الصدقات ويطلب الأخذ منها بكل ما يقدر عليه من التلطف والتعرض مع التستر عن السؤال المصرح المكشوف فرأى أن تجوز شهادته، وهذا بين من ألفاظ المسألتين إذا اعترت، وقد ذهب بعض الشيوخ إلى أن ذلك اضطراب من قول ابن وهب في هذه المسألة فقال: اضطرب ابن وهب في هذه المسألة، وجواب الآخر أشكل بالأولى وجواب الأولى أشكل بالأخر فإن كان ثقل عليه سؤال الرجل الأول من الرجل الشريف أو ما يتصدق به على أهل الحاجة فكان ينبغي أن يثقل عليه أكثر طلب الثاني من وصية أو إمام كما ذكر أو ما أشبه ذلك بكل ما يقدر عليه، وكلاهما سائل لا محالة، والأول أعذر عندي وأخف؛ لأنه ليس في قوله بكل ما يقدر عليه، قال تعالى: {لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا} [البقرة: 273] إلى قوله: {إِلْحَافًا} [البقرة: 273] فدل على أنهم يسألون بغير إلحاف، والعائد على نفسه وعلى عياله بالحلال هو في سبيل الله، وهذه صفة عنهم، والله أعلم، مع أنه قد توجهت المدحة من الله عز وجل لهم، والذي أرى أن لا ترد شهادتهما إذا كانا عدلين، وفي هذا كفاية إن شاء الله.
قال محمد بن رشد: هذا نص قول محمد بن حارث في هذه المسألة، وإلى قوله كان يذهب من أدركنا من الشيوخ في تأويل قول ابن وهب فيقولون: المسألة العامة تبطل شهادة الشاهد باتفاق، والمسألة الخاصة تبطلها على أحد قولي ابن وهب، ولا يميزون بين التصريح بالسؤال وبين التعريض به والتلطف فيه مع التستر به، وما ذهبنا إليه في تأويل المسألة من أن من عرف بالتصريح بالسؤال في خاص أو عام ردت شهادته إلا أن يكون لذلك سبب يعذر به، ومن لم يصرح بالسؤال جازت شهادته، وإن أخذ الصدقات بكل ما يقدر عليه من التعريض والإلطاف مع التستر عن السؤال أولى، وبالله التوفيق.

.مسألة شهادة لمتعرض للولاة الطالب لجوائزهم:

وسألته: عن المتعرض للولاة الطالب لجوائزهم على حال ما يلتمس قبلهم من الصلات والأعطية إذا كان عدلا أترى أن ترد شهادته بما تعرض مما في أيديهم؟ فقال: إن طالب ما في أيدي الولاة المتعرض لهم المعروف به لغير عدل عندي؛ لأن حالات الولاة في زمانك ما تعلم، فإذا كان بالطلب منهم والتعرض لهم معروفا فما أرى إلا أن ترد شهادته.
قال محمد بن رشد: أحاله من أمر الولاة على ما يعلم بقوله: لأن حالات الولاة في زمانك ما تعلم ولم يبين ما ذلك الذي يعلم، والذي أراد، والله أعلم، قبح أحوالهم وسوء طريقتهم فيما يحمون، وتعديهم في كثير مما يأخذون مع تفويض الأمر إليهم في قسمة المال وإعطاء الجائزة منه لمن يستحقها، ولذلك شرط في رد شهادة من قبل جوائزهم أن يكون معروفا بالطلب لهم يريد مكثرا للأخذ منهم، ولو كانوا على غير هذا من التحجير عليهم في إعطاء المال باجتهادهم لسقطت شهادة من قبل جوائزهم وإن لم يتكرر ذلك من فعلهم إلا أن يعذروا في ذلك بجهلهم، وما يأتي لسحنون في آخر سماعه بعد هذا يبين هذا، وبالله التوفيق.

.مسألة لشاهد يشهد عند القاضي فيسأله المشهود له أن يكتب إلى قاضي الكورة:

وسألته عن الشاهد يشهد عند القاضي فيسأله المشهود له أن يكتب إلى قاضي الكورة التي يعرف بها الشاهد أن يعدل عنده ثم يكتب إليه بما ثبت من أمره أيلزم القاضي أن يفعل ذلك به؟ فقال: لا يلزم القاضي الذي شهد عنده الرجل أن يكتب إلى غيره من القضاة في تعديل الشاهد، وليس مثل هذا عليه، وعلى من شهد له شاهد بموضع من المواضع وعند قاض من القضاة أن بعدل شاهده حيث شهد وعند من شهد، ولكن استحب في حال النظر من القاضي المتفقد الذي يريد أن ينتهي إلى استبراء ما استراب أن يتخذ في نواحي الكور رجالا عدولا مرضيين ممن يثق بحسن نظرهم ويأمن غفلتهم فيكتب إليهم يسألهم عن صلاح من شهد عنده من أهل نواحيهم، فإن جاءه بما يرضى من عدالة الشاهد أمضى بذلك شهادته، وإن لم يكن في كور الشاهد من يفزع إليه ويأمن ناحيته ويرضى صلاحه ممن يريد مساءلته عن الشاهد عنده فلا يكتبن إلا إلى أهل القناعة والرضى، وعلى المشهود له أن يعدل شاهده حيث شهد أو يدع.
قال محمد بن رشد: هذه مسألة قد مضى القول فيها في رسم الكبش قبل هذا فلا معنى لإعادته، وبالله التوفيق.

.مسألة ادعت ما لا يثبت إلا بشهادة شهيدين فإن جاءت بشاهد عدل:

وسألت ابن وهب: عن الجارية تدعي الحرية والمرأة الضعيفة تدعي حقا فتزعمان أن بينتهما ببلد من نواحي الكور تريد أن ترفع إلى موضع شهادتها؛ لأنها لا تقدر لضعفها على جلب البينة أفترفع أم لا يلزم ذلك خصمها؟ فقال: أما الأمة فإن جاءت بشاهد واحد عدل استوجبت به الرفع إلى موضع شاهدها الآخر ويتخذ عليها حميل ثقة بقيمتها إلى الأجل الذي يوقفها السلطان حين يرفعها، وإن لم تأت بشاهد عدل على ما ادعت من حريتها لم تستوجب ما أرادت من رفعها ولم تخرج من يد سيدها ولم يمنع من شيء مما أحله الله له منها إذا لم يكن إلا دعواها فقط، وأما المرأة التي تدعي حقا فإن كان ما تدعي مما يستحق باليمين مع الشاهد فإن جاءت بشاهد واحد حلفت مع شاهدها واستحقت حقها، مضت بذلك السنة، ولا رفع في مثل هذا؛ لأنها لا تستوجب الرفع إلا بعد شهادة شاهد، فإذا شهد لها شاهد استحقت حقها باليمين مع الشاهد واستغنت عن الرفع، وإن كانت ادعت ما لا يثبت إلا بشهادة شهيدين فإن جاءت بشاهد عدل استوجبت الرفع إلى موضع شاهدها، وإن لم تأت بشاهد عدل لم ترفع.
قال محمد بن رشد: هذه مسألة قد مضى بيانها وتحصيل القول فيها في سماع عبد الملك بن الحسن من كتاب الأقضية، فمن أحب الوقوف عليه تأمله هناك، وبالله التوفيق.

.مسألة يكون في يده المنزل فيدعيه رجل:

وسألته: عن الرجل يكون في يده المنزل فيدعيه رجل ويزعم أنه غصبه إياه وغلبه عليه، فيسأله السلطان البينة على ما ادعى فيأتي بشهداء عدول على ما ادعى من الغصب، فيدعي الذي هو في يده أنه اشتراه من الذي قامت له البينة على الغصب اشتراء صحيحا، فيسأله السلطان البينة على ما ادعى من اشترائه فيأتيه على ذلك ببينة عدول لعلهم أعدل من الذين شهدوا على الغصب، قال: قلت: أيهما أحق بالمنزل؟ قال: أرى أن من حاز منزلا وصار معروفا في يده وقامت له بينة على اشترائه من مدعيه قبله بالغصب الذي ذكرت أحق به وأولى بالقضاء له فيه من المدعي له قبله ليس في يديه شيء، وإن جاء بالبينة على الغصب لحيازته إياه وعدالة شهدائه على اشترائه منه.
قال محمد بن رشد: وقعت هذه المسألة في رسم الجواب من سماع عيسى من كتاب الغصب فقال فيها: إن بينة الشراء أحق وأولى وإن علم أن الغصب كان قبل الشراء، وحكى ابن حبيب في الواضحة مثله عن مطرف وابن القاسم وأصبغ إلا أنه زاد من قولهم متصلا بآخر المسألة إلا أن يكون الشهود الذين شهدوا على الشراء إنما شهدوا أنه اشترى منه وهو مغصوب بحاله لم يرد إليه ولم يملكه فيكون شراء مفسوخا مردودا بالغصب الذي كان قبله، ويرد الثمن الذي أخذ فيه، وقال محمد فيها: وهذا إذا علم أنه اشتراه وهو في ملك المستحق، وروى زياد عن مالك: أن من غصب منزلا أو شيئا من الأشياء فلا يجوز له أن يشتريه حتى يرده في يد أهله ويخرج منه، وقاله المدنيون، وتحصيل القول في هذه المسألة عندي أن شراء الغاصب الشيء المغصوب وهو في يده لا يخلو من ثلاثة أحوال؛ أحدها: أن يشتريه وهو على حاله من الامتناع به عن صاحبه يعلم أنه لا يرده إليه إن لم يبعه منه، فهذا لا اختلاف في أنه بيع فاسد.
والثاني: أن يشتريه وهو قد طاع برده إلى صاحبه يعلم أنه إن لم يبعه منه صرفه عليه، فهذا لا اختلاف في أنه بيع صحيح.
والثالث: أن لا يتحقق هل صحت عزمة الغاصب على رد الشيء المغصوب على ربه قبل الشراء أم لا؟ فهذا هو موضع الخلاف في المسألة، يحكم بفساد البيع فيه على رواية زياد عن مالك، وبذلك حكم ابن بشير في أرحا الخزان التي عند قرطبة، ولم يبح للسلطان شراءها حتى صحت لصاحبها ستة أشهر، فحكم فيه بجوازه على ظاهر هذه الرواية ورواية عيسى عن ابن القاسم في كتاب الغصب وظاهر ما في كتاب الصرف والغصب من المدونة وعلى ظاهر ما حكاه ابن حبيب أيضا عن مطرف وابن القاسم وأصبغ من أن البيع جائز وإن كان في يد الغاصب إلا أن يكون الشهود شهدوا أن الشراء وقع والغصب قائم بحاله، وقول محمد وهو إذا اشتراه وهو في ملك المستحق محتمل للقولين، وقد قيل: إن قوله في هذه الرواية اشتراء صحيحا معناه بالشهادة على أن البيع وقع بعد رجوعه إلى يد ربه، فهو مثل رواية زياد عن مالك، والتأويل الأول أظهر، وأما بيع الشيء المغصوب من غير الغاصب وهو في يد الغاصب فإن كان الغاصب ممن لا تأخذه الأحكام مقرا بالغصب أو منكرا له فالبيع فاسد، وإن كان مقرا بالغصب ممن تأخذه الأحكام فالبيع جائز، وإن كان منكرا للغصب ممن تأخذه الأحكام يخرج ذلك على اختلاف في جواز شراء ما فيه خصومة، والقولان قائمان من المدونة، وبالله التوفيق.

.مسألة يشهدون على شهادة رجل غائب فيقطع الحق بشهادتهم على شهادته:

وسألته: عن القوم يشهدون على شهادة رجل غائب فيقطع الحق بشهادتهم على شهادته ثم يقدم الشاهد الغائب فينكر أن يكون قبله من ذلك العام شيئا أو يكون أشهد أحدا على شهادته فيما شهدوا به على شهادته أيمضي القاضي القضاء بهذه الشهادة؟ قال: سمعت مالكا يقول: يفسخ القضاء الذي قضى به في مثل هذا الوجه، وقال: كيف يقطع حق شهادة على شهادة رجل وهو ينكرها وينكر أن يكون أشهدهم عليها؟ فلا أرى أن يجوز مثل هذا ولا يمضي به حكم، وقد قال ابن القاسم في سماع عيسى: إذا شهد رجلان على شهادة رجل فقطع بشهادتهما الحق مع شاهد أو يمين صاحب الحق إن كان شيئا يجوز فيه شاهد ويمين أو شاهدان ثم جاء الذي شهد على شهادته فأنكر أن يكون شهد بتلك الشهادة، قال: الحكم ماض ولا غرم عليهما ولا يقبل قول الشاهد إنهما شهدا عليه بباطل، قلت: فلو كان قدم قبل أن يحكم بشهادتهما فقال هذا القول فقال: لا شهادة لهما، ويستحلف، صاحب الحق مع شهادة الثاني.
قال الإمام القاضي: قد مضت هذه المسألة والقول فيها مستوفى في رسم يوصى لمكاتبه من سماع عيسى، فلا وجه لإعادته، وبالله التوفيق.

.مسألة لا نكاح إلا بولي وشهيدي عدل:

قال يحيى: سألت ابن وهب عن رجل كان مقرا في صحته بنكاح امرأة وتسأل المرأة أيضا عما يزعم الرجل من نكاحه إياها فتصدقه وتقر بمثل إقراره وليس على أصل تناكحهما بينة، فمات الرجل وهو مقيم على إقراره بنكاحها فطلبت ميراثها منه أيجب لها ميراث بهذا الإقرار؟ قال: لا ميراث بينهما إلا أن تقوم بينة على أصل النكاح أو يطول زمان ذلك جدا وهما مقران كما ذكرت ومناكحتهما فاشية بقول الجيران وظاهر الذكر فأرى الميراث بينهما بذلك الذكر الفاشي مع طول الزمان، وإلا فلا ميراث بينهما، قلت: أرأيت إن كانت المرأة تخبر في حياة الرجل وصحته بما يدعيه من نكاحها ويقر به من ذلك فتنكر قوله وتجحد دعواه، فلما مات أقرت وطلبت ميراثها؟ قال: لا شيء لها؛ لأنها إنما طلبت مالا تريد أخذه بدعواها بلا بينة تقوم على أصل نكاحها، وسألت عن ذلك ابن القاسم فقال لي مثل قول ابن وهب غير أنه لم يستثن مع إقرارهما طول الزمان وظهور ذكر ذلك في الجيران ولم يره نكاحا حتى يثبت أصله بالبينة لقول عمر بن الخطاب: لا نكاح إلا بولي وشهيدي عدل وسألت عن ذلك أشهب فقال لي مثل قول ابن القاسم غير أنه لم يذكر قول عمر ولم يحتج به.
قال محمد بن رشد: أما الولي فهو شرط في صحة العقد، وأما الإشهاد فليس بشرط في صحته ولكنه لا يتم عند المناكرة إلا به، فقول عمر بن الخطاب: لا نكاح إلا بولي وشهيدي عدل معناه لا نكاح يتم عند المناكرة إلا أن يكون بولي ويشهد عليه شاهدان، فإذا تقار الرجل والمرأة على النكاح ولم تقم على أصله بينة وهما غير طارئين فلا يخلو الأمر من وجهين؛ أحدهما: أن تكون المرأة في ملكه وتحت حجابه.
والثاني: أن تكون بائنة منه منقطعة عنه، فأما إذا كانت في ملكه وتحت حجابه فالميراث بينهما قائم والزوجية بينهما ثابتة إذا طال كونه معها واشتهر؛ لأنه إذا لم يطل ذلك ويشتهر فوجوده معها ريبة توجب عليهما الأدب والحد إن تقارا على الوطء ولم تكن لهما بينة على النكاح على اختلاف في وجوب الحد إذا لم يقرا بزنى، وإنما أقرا بما لو أقاما عليه البينة لم يكن عليهما شيء، ولا يؤخذ أحد بأكثر مما أقر به على نفسه، وهو أصل أشهب، وكذلك إن لم يعلم منها إقرار بما كان يقر هو به ويذكره من نكاحها بكون الميراث بينهما قائما والزوجية بينهما ثابتة؛ لأن كونها في ملكه وتحت حجابه كالإقرار منها بالنكاح أو أقوى، وأما إذا كانت بائنة منقطعة عنه فقال: إنه لا ميراث بينهما وإن طال ذلك وفشا ذكره في الجيران، وهو ظاهر قول ابن القاسم وأشهب في هذه الرواية، وهو بعيد؛ لأن النكاح مما تصح فيه الشهادة على السماع إذا طال الأمر ومضى من الزمان ما يبيد فيه الشهود على اختلاف بينهم في حد ذلك، وقيل: إنهما يتوارثان إذا طال ذلك وفشا ذكره في الجيران فشهدوا فيه على السماع، وهو قول ابن وهب في هذه الرواية أن الميراث بينهما بالذكر الفاشي مع طول الزمان يريد الطول الذي يبيد فيه الشهود، وأما إن لم يمض من المدة ما يبيد فيه الشهود وتجوز فيه شهادة السماع فلا اختلاف في أن الميراث لا يكون بينهما إلا أن تقوم بينة على أصل النكاح، ولو اشتهر الأمر اشتهارا يخرج عن حد الشهادة على السماع إلى حد التواتر الذي يوجب العلم لجاز للشاهد أن يشهد بذلك على انقطاع قولا واحدا، وإن لم يطل الأمر، فالاختلاف إنما هو إذا طال الأمر وشهد الشهود العدول فيه على السماع لا على القطع من ناحية السماع، ويحتمل أن يكون ابن وهب تكلم على أن الأمر اشتهر واستذاع حتى يشهد فيه الشهود على القطع، وأن ابن القاسم وأشهب إنما تكلما إذا شهد الشهود على السماع لا على القطع فلا يكون بينهما اختلاف، ويحتمل أن يكون الخلاف بينهما إنما يرجع إلى حد الطول الذي يجوز فيه شهادة السماع لا إلى نفس إجازة شهادة السماع في ذلك.
وقوله في الرواية: إن المرأة إذا كانت في حياته تنكر قوله وتجحد دعواه فلما مات أرادت أن ترثه بإقراره لها بالنكاح إن ذلك لا يكون لها، يريد وإن طال ذلك وفشا في الجيران فشهد به على السماع، صحيح بين لا إشكال فيه ولا كلام لأنها قد كذبت البينة وأقرت على نفسها أنه لا ميراث لها فيه، وإنما الكلام إذا لم يعلم منها في حياته إقرار ولا إنكار، فلما مات ادعت صحة ما كان يقر به من نكاحها مع طول ذلك واشتهاره في الجيران والشهادة به على السماع، فالصحيح في النظر أنها ترثه بذلك إذا لم يعلم منها إنكار أو يرثها هو أيضا بذلك أعني بالشهادة على السماع مع الطول خلاف ظاهر ما في رسم الكبش من سماع يحيى من كتاب النكاح، وقد مضى هناك، وفي رسم الجواب من سماع عيسى من كتاب الأقضية طرف من القول على هذه المسألة، وبالله التوفيق.

.مسألة لم يكن له شاهد فقضي على المدعي عليه باليمين فنكل عنها:

ومن كتاب أوله: أول عبد ابتاعه فهو حر:
وسألته: عن الرجل يقيم الشاهد الواحد على حق له قبل رجل فقال له: احلف واستحقه، فيرد اليمين على المطلوب فيحلف ويبرأ، ثم يجد صاحب الحق شاهدا آخر أيلحقه بشهادة الأول ويستحق حقه أم لا يكون ذلك له؟ فقال: ليس ذلك له إذا عرض عليه استحقاق حقه بيمينه مع شاهده فلم يقبل بذلك قطع بحقه، وليس هو مثل الذي لا يجد بينة أو تغيب بينته فيقضي على خصمه باليمين ثم يجد البينة على حقه، أو يقدم شهداؤه الغيب فهذا الذي يستحق حقه لما يحدث له من إحضار بينته.
قال محمد بن رشد: هذه مسألة فيها أربعة أقوال؛ أحدها: ظاهر قوله في هذه الرواية إن نكوله عن اليمين مع شاهده ويمين صاحبه قطع بحقه فلا يكون له شيء، وإن أتى بشاهدين سوى الأول، وهو قول ابن كنانة وابن القاسم في المبسوطة.
والثاني: أنه إن جاء بشاهدين سوى الأول قضي له بهما، وإن أتى بشاهد واحد لم يقض له بشيء.
والثالث: أنه إن أتى بشاهدين سوى الأول قضى له بهما وإن أتى بشاهد واحد قضى له به مع الشاهد الأول وأخذ حقه دون يمين، وهو قول عيسى بن دينار ورواية ابن الماجشون عن مالك.
والرابع: أنه إن أتى بشاهدين قضى له بهما، وإن أتى بشاهد واحد سوى الأول استؤنف له الحكم فحلف معه، واختلف على هذا القول إن نكل عن اليمين، فقيل: يحلف المطلوب ثانية، روي ذلك عن ابن القاسم، وقيل: لا يرد اليمين على المطلوب ثانية؛ لأنه قد حلف عليه مرة، وهو قول أحمد بن ميسر، وهذا الاختلاف إنما هو إذا لم يعلم أن له شاهدا سوى شاهده أو علم به وهو بعيد الغيبة في الموضع الذي يكون له أن يقدم ببينته إذا استحلف المدعى عليه ولا شاهد له.
قال ابن دحون: فإن اشترط عند يمين المطلوب أنه يقوم إن وجد شاهدا آخر أو شاهدين على ذلك وحلف المطلوب فله ذلك عند الجميع، ومعنى قوله عندي إذا رضي المطلوب أن يحلف على ذلك، وأما إن لم يرض فلا يلزمه الرضى كما لا يلزمه الرضى بذلك إذا لم يكن للطالب شاهد، بل هو هنا أحرى ألا يلزمه، واختار أصبغ القول الأول، قال: ومما يبين ذلك أن لو لم يكن له شاهد فقضي على المدعي عليه باليمين فنكل عنها فردت على المدعي فنكل عنها فلم يأخذ شيئا ثم وجد بينة على دعواه أنه يقضى له بها.
قال أصبغ: وهذا الذي لا أعرف غيره من قول أصحاب مالك يريد أصبغ أن المدعي كان قادرا على أن يأخذ حقه بيمينه عند نكول المدعى عليه كما كان قادرا على أخذ حقه ببينة مع شاهده، وتنظيره بين المسألتين صحيح، وإن لم يوجد في المسألة التي احتج بها نص اختلاف بين أصحاب مالك كما زعم فإن الاختلاف عندي داخل فيها بالمعنى، فعلى قياس القول الأول لا يقضى له ببينة إن جاء بها ولا بشاهد مع يمينه، وعلى القول الثاني يقضى له ببينته إن جاء بها ولا يقضى له بشاهد مع يمينه لنكوله أولا عن اليمين، وعلى القول الثالث يقضى له ببينته إن جاء بها وشاهد مع يمينه إن جاء بشاهد واحد، وكذلك أيضا لو نكل المدعى عليه عن اليمين فغرم بعد يمين المدعي ثم وجد بينته على القضاء أو شاهدا واحد فأراد أن يحلف معه ويسترجع ما غرم لجرى الأمر في ذلك على الأقاويل الثلاثة، وقد ذهب بعض الناس إلى أن هذه المسألة معارضة لأول مسألة من رسم المكاتب، وليس ذلك عندي بصحيح، والفرق بين المسألتين أن الطالب في هذه المسألة قد رضي بترك حقه في أن يحلف مع شاهده واستحلف المطلوب فصار ذلك حكما له باليمين فلا تبطل على أحد القولين، ومسألة كتاب المكاتب الحق فيها إنما هو لله، ولا يجوز فيه إلا أربعة شهداء، فإذا شهد فيه أقل من أربعة شهداء لم تجز شهادتهم ولا كان لها حكم يتعلق بالمشهود عليه ولا بالمشهود له القائم بالشهادة، فوجب إذا جاء شاهد رابع أن يضاف إلى الثلاثة فيقام الحد على المشهود عليه ولا يحد الثلاثة إن كانوا لم يحدوا بعد، وهذا على القول بأنه ليس من شرط صحة الشهادة على الزنى أن يأتي الشهود جميعا؛ لأنه على هذا القول بمنزلة من أقام شاهدا واحدا على نسب أو على عتق فلم يحكم بشهادته، إذ لا يجوز في ذلك أقل من شهادة شاهدين حتى جاء بشاهد آخر، ولا اختلاف في أنه يضاف إلى الشاهد الأول فيحكم بشهادتهما، وقد مضى في رسم الصبرة القول في إتيان المحكوم عليه ببينة لم يعلم بها، وهي من شرح هذه، وبالله التوفيق.

.مسألة يقتل أخوه وللمقتول أولاد هم ورثته فشهد الأخ على رجل أنه قتل أخاه:

وسألته: عن الأخ العدل المشهور بالصلاح يقتل أخوه وللمقتول أولاد هم ورثته، فشهد الأخ على رجل أنه قتل أخاه ذلك أتجوز شهادته؟ قال: لا أرى ذلك، قلت: لم؟ وإنما وارثه بنو أخيه، فشهادته الآن ليست لأخيه، إنما هي لبني الأخ، قال: أعظم إجازة شهادته في دم أخيه أو ما يجر إلى ذلك، قال: ولا تجوز شهادته أيضا في الحدود إن قذف في بدنه أو قذفت أمه، وإن كان ليس بأخيه لأمه، قال: وأجيز شهادته له في النكاح والحقوق إذا كان عدلا.
قال محمد بن رشد: هذه مسألة قد مضى القول فيها مستوفى في أول رسم من سماع ابن القاسم، فلا معنى لإعادته، وبالله التوفيق.

.مسألة أربعة أولاد لرجل شهدوا على أبيهم بالزنى وأبوهم معدم وهم عدول:

من سماع سحنون وسؤاله ابن القاسم وأشهب قال سحنون: سئل أشهب عن أربعة أولاد لرجل شهدوا على أبيهم بالزنى، وأبوهم معدم، وهم عدول، قال: يرجم الأب، قيل لأشهب: فإن كان الأب موسرا؟ قال: لا تجوز شهادتهم لمكان الميراث، وقال أصبغ: إلا أن يكون الأب إذ زنى كان بكرا فتقبل شهادتهم مليا كان أو معدما ويجلد، قال سحنون: قلت لأشهب: وكذلك لو شهدوا على أبيهم أنه قتل فلانا عمدا؟ قال: نعم والمعسر أيضا لا تجوز شهادتهم عليه؛ لأنهم يريدون الاستراحة منه لمكان النفقة عليه.
قال محمد بن رشد: مساواة أشهب في هذه المسألة بين أن يشهدوا على أبيهم بزنى أو بقتل فيها نظر؛ لأن شهادتهم عليه بالقتل إذا دعوا إلى الشهادة عليه واجبة عليهم، لقول الله عز وجل:
{وَلا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ} [البقرة: 283] وقوله عز وجل: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ} [النساء: 135] الآية، ومستحبة لهم إذا لم يدعوا إليها لقول رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «خير الشهداء الذي يأتي بشهادته قبل أن يسألها الحديث» فوجب إذا شهدوا عليه بالقتل أن تجوز شهادتهم عليه دعوا إلى الشهادة عليه أو لم يدعوا إليها إلا أن يتهموا بجر ميراثه إلى أنفسهم، أو بالاستراحة من النفقة عليه، وشهادتهم عليه بالزنى مكروه لهم؛ لأنهم مأمورون في ذلك بالستر على أنفسهم وعلى الناس، قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «من أصاب من هذه القاذورات شيئا فليستتر بستر الله، فإنه من يبدلنا صفحته نقم عليه كتاب الله» وقال لهزال: «يا هزال لو سترته بردائك لكان خيرا لك» فالصواب أن لا تجوز شهادتهم عليه بالزنى؛ لأن ذلك عقوق منهم له إلا أن يعذروا في ذلك بجهل أو يكونوا قد دعوا إلى الشهادة عليه مثل أن يقذفه رجل بالزنى فيقوم عليه بحده فيسأل القاذف بنيه أن يشهدوا له بزناه ليسقط عنه حد القذف، وعلى هذا ينبغي أن يحمل قول أشهب، والله أعلم، وإذا سقطت شهادتهم عنه بأي وجه سقطت وجب الحد عليهم، وقد قاله سحنون إذا سقطت شهادتهم بالظنة، ولا فرق بين أن تسقط بالظنة أو بالجرحة، ورأى ابن لبابة شهادتهم عليه مما يوجب قتله جائزة مليا كان أو معدما، قال: ولا يتهم العدول بالميراث ولا بطرح النفقة، وهو قول له وجه في المبرز في العدالة البائن في الفضل في الموضع الذي يتعين عليه فيه الشهادة، ويأتي على قياس قول ابن القاسم في الإمام يشهد عنده على المرأة المحصنة أربعة بالزنى أحدهم زوجها فلا يعلم بذلك حتى يقيم عليها حد الرجم إن له الميراث منها ويحد إلا أن يلاعن خلاف قول أصبغ في أنه لا ميراث له منها، وبالله التوفيق.

.مسألة الصغير يموت أبوه فيقوم له شاهد عدل أن أباه تصدق عليه بعبده فلان:

قال ابن القاسم في الصغير يموت أبوه فيقوم له شاهد عدل أن أباه تصدق عليه بعبده فلان وقبضه له وشهد له آخر أن أباه نحله إياه، قال: لا أرى شهادته واحدة، وأراها مختلفة؛ لأن النحل يعتصر، والصدقة لا تعتصر، فهذان أمران مختلفان، ثم قال: أرأيت لو أن رجلا قام له شاهد على رجل أنه أسلفه مائة دينار وقام آخر فشهد له أيضا أن له عليه مائة دينار من ثمن جارية، فكذلك مسألتك الأولى، وأرى أن يحلف مع شاهديه مع كل واحد منهما ويستحق مائته.
قال محمد بن رشد: وقعت هذه المسألة هاهنا وفي سماع محمد ابن خالد، ووقعت أيضا في رسم كراء المزارع والدور من سماع يحيى ساقطة الجواب، وقد مضى القول عليها مستوفى في رسم العرية من سماع عيسى، فلا معنى لإعادته، وبالله التوفيق.

.مسألة الرجل الواحد هل يعدل الرجل أو يجرحه:

وسألت ابن القاسم: عن الرجل الواحد هل يعدل الرجل أو يجرحه؟ قال مالك: لا، قلت له: فالقاضي إذا كان له من يسأل في السر؟ قال: لا أحب للقاضي أن يسأل في السر أقل من اثنين، ولا يقبل في التعديل أقل من اثنين، ولا يقبل في السر إلا اثنين، وكذلك في العلانية.
قال الإمام القاضي: قد مضى القول في هذه المسألة مستوفى في أول رسم من سماع أشهب، فلا معنى لإعادته، وبالله التوفيق.